أحمد بن علي القلقشندي

227

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأنف ؛ وصفه بكونه مسرّجا إما أنه كالسيف السّريجيّ في الدّقّة والاستواء ، والسّريجيّ نسبة إلى قين يسمّى سريجا تنسب إليه السّيوف ؛ وإما أنه كالسّراج في البريق واللَّمعان ، أو من قولهم سرّج اللَّه وجهه إذا بهّجه وحسّنه . فهذا ومثله مما لا يقف على معناه إلا من عرف التصريف وأتقنه . إذا تقرر ذلك فاعلم أن اللفظ يختلف في الغرابة وعدمها باختلاف النّسب والإضافات ؛ فقد يكون اللفظ مألوفا متداول الاستعمال عند كل قوم في كل زمن ، وقد يكون غريبا متوحّشا في زمن دون زمن ، وقد يكون غريبا متوحشا عند قوم ، مستعملا مألوفا عند آخرين . وهو أربعة أصناف : الصنف الأوّل المألوف المتداول الاستعمال عند كل قوم في كل زمن وهو ما تداول استعماله الأوّل والآخر من الزمان القديم وإلى زماننا : كالسماء والأرض ، والليل والنهار ، والحرّ والبرد ، وما أشبه ذلك ؛ وهو أحسن الألفاظ وأعذبها ، وأعلاها درجة ، وأغلاها قيمة ؛ إذ أحسن اللفظ ما كان مألوفا متداولا كما تقدّم ؛ وهذا لا يقع عليه اسم الوحشيّ بحال . قال في « المثل السائر » : وأنت إذا نظرت إلى كتاب اللَّه العزيز الذي هو أفصح الكلام وجدته سهلا سلسا ، وما تضمنه من الكلمات الغريبة يسير جدّا . هذا وقد أنزل في زمن العرب العرباء ، وألفاظه كلَّها من أسهل الألفاظ وأقربها استعمالا وكفى بالقرآن الكريم قدوة . وقد قال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ما أنزل في التّوراة ولا في الإنجيل مثل أمّ القرآن وهي السّبع المثاني » يريد فاتحة الكتاب . وإذا نظرت إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدتها سهلة قريبة يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوامّ السّوقة وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة ، فإن أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله ، وفهم العامّة معناه ؛ وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها ؛ والمقتدي بألفاظ